4


الهزيمة قبل إطلاق النار


بحجة مآل عرضٍ مستهلك أمام إيران المتحضّرة
إن إرسال الولايات المتحدة لحاملات الطائرات إلى الخليج الفارسي، وقبل أن يكون قرارًا عسكريًا بحتًا، هو خيار سياسي بتوقيت محسوب. لم يختر ترامب هذا التوقيت صدفة. الضغوط الداخلية، وتراكم الأزمات في السياسة الأمريكية، والانقسامات الاجتماعية، وتآكل الشرعية، كلّها دفعته إلى تحويل السياسة الخارجية مجددًا إلى أداة للهروب من أزماته الداخلية. وفي هذا السياق، فإن الاستعراض البحري ليس موجّهًا إلى إيران بقدر ما هو رسالة إلى الرأي العام الأمريكي؛ محاولة لإعادة إنتاج صورة «الرئيس القوي» في لحظة تتداعى فيها هيبة السلطة داخليًا.
لكن المشكلة تبدأ من هنا تحديدًا. إن استعراض القوة لا يكون فاعلًا إلا إذا كان الطرف المقابل مترددًا، أو غير مستعد، أو منقسمًا من الداخل. وما يثير غضب ترامب اليوم أكثر من أي شيء آخر هو هدوء قائد الثورة الإسلامية—وهو هدوء نابع من الثقة بتوازن القوة الحقيقي، والحضور الملحمي لأمة مقاومة، والاتكاء على الوعود الإلهية.
في منطق الردع، فإن هدوء الطرف المقابل في لحظة التهديد دليل على الجاهزية لا الضعف، وهذا الهدوء هو ما يربك حسابات التهديد.
يأتي هذا التهديد في وقتٍ تكون فيه الذاكرة التاريخية الإيرانية في أقصى درجات حضورها. إن تزامن هذا الاستعراض العسكري مع أيام استقبال الإمام الخميني (رضوان الله تعالی علیه) في الأول من شباط ۱۹۷۹، واقتراب يوم الله الثاني والعشرين من بهمن وأيام الفجر، ليس مجرد تزامن تقويمي. فهذه الأيام رمز لانتصار الإرادة السياسية لشعب على قوى مسلّحة؛ شعب لم تُقمع ثورته بحاملات الطائرات، ولا بالعقوبات، ولا بالتهديد. وفي مثل هذا السياق، لا تُنتج التهديدات العسكرية خوفًا، بل تُوقظ ذاكرة المقاومة.
ميدانيًا أيضًا، يواجه ترامب اليوم إيران أكثر جاهزية من أي وقت مضى، بل حتى أكثر من ظروف حرب الأيام الاثني عشر. فالحرس الثوري والقوات المسلحة القوية والمجهّزة في حالة جاهزية كاملة. آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة، والزوارق السريعة، والطوربيدات، والمنظومات البحرية والبرية المتنوعة، إلى جانب الخبرة العملياتية والشبكة الدفاعية الواسعة، رسمت مشهدًا يجعل أي صراع غير محدود بالضرورة، ولا قصيرًا، ولا قابلًا للسيطرة. وهذه الجاهزية ليست مادية فقط، بل ذهنية وتنظيمية واستراتيجية.
وعلى الصعيد الاجتماعي والسياسي، تواجه الولايات المتحدة بنيةً قائمة على الدعم الواسع من أغلبية الشعب الإيراني للثورة وقيادتها. وقد يكون هذا العامل أهم عناصر الردع. فالدولة التي لا ينقسم مجتمعها في لحظة التهديد هي دولة عصيّة على الهزيمة من الداخل. وهنا تحديدًا تفقد الأدوات التقليدية للقوة الأمريكية فاعليتها.
ترامب(الخبیث) والبلطجة العالمية
في طهران القديمة، بين بلطجية الأحياء المسلحين بالسكاكين، كانت هناك قاعدة غير مكتوبة: ما دامت السكين في الجيب، فهناك فرصة لإنهاء النزاع بتدخل رجل شهم أو شيخ محترم. لكن لحظة إخراج السكين، كان على البلطجي أن يضرب حفاظًا على هيبته؛ إذ لم يعد التراجع بلا كلفة ممكنًا.
وإن لم يضرب، سقطت هيبته إلى الأبد. وأحيانًا كان يجرح نفسه فقط كي لا يُهان.
إن إرسال حاملة الطائرات، في منطق القوة البلطجية والتهور، هو بالضبط إخراج السكين من الجيب. وبهذا الفعل، أدخل ترامب نفسه في مرحلة لا يكون فيها الضرب آمنًا، ولا الامتناع عنه.
فإن أقدم على عمل عسكري، فإن الرد الإيراني حتمي؛ ردٌّ لن يكون بالضرورة متماثلًا، ولا محصورًا في جغرافيا واحدة. وستخرج دائرة الصراع عن السيطرة، وتنتقل التكاليف سريعًا من المجال العسكري إلى الاقتصاد والسياسة الداخلية والمكانة العالمية للولايات المتحدة.
وإن امتنع واكتفى بالاستعراض، فإنه يبعث برسالة ضعف واضحة ويقوّض مصداقية ردعه. كلا المسارين مكلف.
ثم إن حاملة الطائرات ليست مجرد أداة حرب بالنسبة لأمريكا؛ بل هي رمز لقوة إمبراطورية بالية. وحتى التهديد الجدي لهذا الرمز يشلّ حسابات واشنطن، لأن إصابته تعني انهيار أسطورة. ولهذا، لا تملك أمريكا قدرة تحمّل مخاطر مواجهة حقيقية، ولا إمكانية تراجعٍ علني. وهذه هي الحالة النموذجية للانسداد الاستراتيجي.
غياب الإجماع الدولي، وابتعاد أوروبا،وهي أوروبا متراجعة غارقة في أزماتها،قد فاقم هذا الانسداد. ففي هذه المغامرة، تبدو الولايات المتحدة وحيدة، والضغط بلا غطاء سياسي لا يضعف الخصم بقدر ما يفضح ضعف من يمارسه.
الحقيقة أن الهدف الأولي لترامب من هذا الحشد البحري كان بثّ الخوف. لكن المؤشرات اليوم تدل على أنه لم يُنتج خوفًا، بل واجه إيران أكثر جاهزية، وأكثر هدوءًا، وأكثر تماسكًا. وفي مثل هذه الظروف، يصبح البحث عن مخرج أمرًا طبيعيًا.
وبلغة طهران القديمة:
السكين خرجت، لكن صاحبها يعلم جيدًا: إن ضرب، تورّط؛ وإن لم يضرب، سقط.
وهذه هي اللحظة التي تكون فيها اللعبة خاسرة قبل إطلاق النار.
وهذه السطور موجّهة أيضًا إلى أولئك الذين، عند سماع صوت حاملات الطائرات، أسرعوا إلى آلة الحساب؛ أولئك الذين يريدون التهديد لا لفهم توازن القوى، بل للهروب إلى اتفاق بأي ثمن.
الخوف ليس أداة تحليل. والسياسة الخارجية لا تُدار بيدٍ مرتجفة. وإذا كان لا بد من دفع ثمن، فالأمة هي التي تدفعه، لا طاولة المفاوضات.
فلا تتخذوا قرارات أمةٍ كاملة بدافع الخوف الشخصي.
وملاحظة للمنبهرين بالغرب:
الحرب ليست سلّمًا للصعود، بل طاحونة.
وفي هذه المعركة، من يتوهم أنه سيصعد فوق الركام، غالبًا ما يكون أول من يُدفن تحته.
ترامب ليس منقذًا ولا فرصة؛ وفي هذا القبر الذي تنوحون عليه، لا يوجد ميت بانتظار أن يُبعث.
إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قوية، هادئة، ومستعدة.
وأمام أمة كهذه، فإن أي حاملة طائرات معتدية ليست أكثر من قارب عابر في مياه الخليج الفارسي الخالد.

س.م.ر

نوشتن دیدگاه


١- بلحاظ قانونی هر فرد مسئول محتوای نظر ارسالی خود است ،که از طریق قانون با آی پی شناسایی و پيگيرى می شود

تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

© 1387/11/11 - 1404 islamicworld.ir  تمام حقوق مادی و معنوی برای پایگاه نشر معارف قرآن و ولایتislamicworld.ir محفوظ است.
Template Design:Akin Group
کانال